لويس شيخون وآخرين

7

مقالات فلسفية لمشاهير فلاسفة العرب ( المسلمين والنصارى )

الانسان له . ولمّا كانت معرفة الانسان نفسه غير موثوق بها لما في طباع الانسان من الغباوة عن مساوئه وكثرة مسامحته نفسه عند محاسبتها ولأن عقله غير سالم عن ممازجة الهوى إياه عند نظره في أحوال نفسه كان غير مستغن في البحث عن أحواله والفحص عن مساوئه ومحاسنه عن معونة الأخ اللبيب الوادّ الذي يكون منه بمنزلة المرآة فيريه حسن أحواله حسنا وسيّئها سيئا وأحق الناس بذلك وأحوجهم اليه الرؤساء فان هؤلاء لمّا خرجوا عن سلطان التثبّت « 1 » وعن ملكة التصنّع تركوا الاكتراث للسقطات وتعقّب الهفوات بالندمات فاستمرّت عادتهم على كثرة الاسترسال وقلّة الاحتشام الّا قليلا منهم برعت عقولهم ورجحت أحلامهم ونفذت في ضبط أنفسهم بصائرهم فحسنت سيرتهم واستقامت طريقتهم . ومما زاد في عظم بلائهم باكتتام عيوبهم عنهم أنهم هيّبوا عن التعبير بالمعايب مواجهة وعن النقص والذم مشافهة وخيفوا في اعلان الثلب والعضب والشنع « 2 » والجذب والهمز واللمز بظهر العيب . فلمّا انقطع علم ذلك عنهم ظنوا ان المعايب تخطّتهم والمثالب جاوزتهم فلم تعرّج بخططهم ولم تعرس بأفنيتهم وليس كذلك حال من دونهم من الرعاع والسوقة فان أحدهم لو رام ان يخفي عنه عيوبه يبدهه محبّه بها ويتدارك عليه باقبحها ما استطاع ذلك . فإنه يخالط الناس ويلابسهم ضرورة والمخالطة تحدث المجادلة والمدافعة وذلك من أسباب المخاصمة والمخاصمة تؤدّي إلى التعايب بالمثالب والترامي بالعار وعند ذلك يكاد كل واحد من الفريقين لا يرضى بذكر حقائق عيوب صاحبه بل يتهمه بالباطل ويفتعل عليه الزور فهؤلاء قد كفوا استرشاد جلسائهم وبثّ الجواسيس في تعرّف عيوبهم من قبل أعدائهم فإنها قد جلبت إليهم من غير هذا الطريق . فاما من يسالم من السوقة الناس فلا يساورهم « 3 » ويؤاتيهم ولا يلاحيهم فإنه لا يعدم من ينبّهه على عيبه وينصحه في نفسه من حميم وقريب وخليط وجليس وأكيل وممّا زاد في فساد حال الملوك والرؤساء ما أتيح لهم من قرناء السوء وقيّض لهم من جلساء الشرّ الذين لو أنهم لمّا خاسوا « 4 » بعهدهم وراغوا « 5 » في صحبتهم وغشّوهم ( v 65 )

--> ( 1 ) تثبّت في الامر تأنى فيه ( 2 ) الاستقباح ( 3 ) يواثبهم ( 4 ) نقضوا عهدهم ( 5 ) مكروا